جوليان ناجيلسمان .. أن تكون مؤهلا للخلافة

محمودليالي

في عام 2018، وتحديدًا بعد خمسة أيام من فوز نادي ريال مدريد الإسباني بدوري أبطال أوروبا للمرة الثالثة تواليًا، خرج علينا السيد زين الدين زيدان المدير الفني للفريق في مؤتمر صحفي بجانب فلورنتينو بيريز رئيس النادي الإسباني ليعلن أمام الكاميرات استقالته من تدريب الفريق في مفاجأة هزت الأوساط الرياضية، بعض الصحفيين ارجعوا هذه الإستقالة لما هو معروف "بفقدان الشغف والدوافع" فما الإضافة التي سيقدمها الفرنسي الحاصل على ثلاث بطولات أوروبية في ثلاث مواسم متتالية لذلك الفريق؟، والبعض الآخر أرجع الاستقالة المفاجئة لبعض المشاكل التي بدأت في الطفو على السطح بين المدرب الفرنسي ورئيس النادي حول ماهية الميركاتو، لكن الشغل الشاغل للصحافة في ذلك الوقت كان الإجابة عن تساؤل آخر: من الذي سيقود الفريق في الفترة القادمة؟.

بعض التقارير رجحت عودة مورينهو مرة أخرى، والبعض الآخر أقر بوجوب إستقدام المدرب الإيطالي ماسيميليانو أليجري، لكن هناك أخبار انتشرت فجأة لتُأكد أن "جوليان ناجلسمان" مدرب هوفنهايم الألماني والبالغ من العمر 31 عامًا، هو الأقرب لتدريب الفريق حيث يعتبره بيريز حلمًا كبيرًا. 

من المنطقي هنا أن يتبادر إلى ذهنك سؤال واحد: ماذا قدم مدرب بالغ من العمر 31 عاما، ليس لديه أي خبرة تذكر ليصبح مدربًا لنادي بقيمة ريال مدريد؟

ولكن قبل أن أجيبك على هذا التساؤل، يمكنني أن أعرض عليك هذه المفاجأة، "جوليان ناجلسمان يرفض تدريب نادي ريال مدريد الإسباني خلفا للمدرب زين الدين زيدان".

كان ذلك المانشيت لصحيفة "الماركا الإسبانية" من أغرب الحوادث الرياضية بالنسبة لي في تلك السنة، فمن هذا المجنون الذي يرفض تدريب العملاق الأبيض؟، ولكن ما أثبت لي مع مرور الأيام أن هذا الرجل لم يكن مجنونًا كما ظننت، بل كان عاقلًا لدرجة مخيفة وهذا هو الغريب في الأمر، ويظهر هذا في تصريحاته التي أدلى بها "لصحيفة الماركا" أيضا عندما تم سؤاله عن أسباب رفضه تدريب النادي الإسباني، حيث قال: "رأيت أن الذهاب إلى ريال مدريد ليست الخطوة الصحيحة في ذلك الوقت، كنت أحد المرشحين والقائمة لم تكن طويلة، وبالفعل جرت محادثة جيدة مع خوسيه أنخيل سانشيز قررنا فيها أن الوقت ليس مناسبا لخطوة كبيرة مثل تلك الخطوة خاصة مع مدرب في بداية حياته، واتفقنا أننا قد نتحدث مستقبلا إذا أراد ريال مدريد مدربا".

وأما ريال مدريد فقد استقدم المدرب الإسباني "جولين لوبيتيغي" بعدما قدم إستقالته من تدريب المنتخب الإسباني، وأما ناجلسمان فقد رحل لتدريب نادي "لايبزيغ الألماني" الموسم الماضي، لينهي الموسم الأول له مع الفريق ثالثا في جدول ترتيب الدوري الألماني، وليصبح ثاني جدول الترتيب لحظة كتابة هذا التقرير.

ولكن، هل حان الوقت لخطوة أكبر في حياة الرجل؟

نحن الآن في عام 2021، وقبل عدة أيام أعلن نادي توتنهام الإنجليزي إقالة المدرب البرتغالي جوزيه مورينهو من تدريب الفريق لسوء النتائج، بالإضافة إلى إعلان هانز فليك المدير الفني صاحب السداسية التاريخية الرحيل عن بايرن ميونخ نهاية الموسم، ليصعد مرةً أخرى إسم ناجلسمان على السطح كمرشح لتدريب الفريق الإنجليزي، والكبير الألماني، ولكن قبل أن نجزم بضرورة التعاقد مع المدرب الألماني أم لا، دعنا نأخذ أولًا جولة في عقل الرجل الذي رفض تدريب نادي ريال مدريد مُفضلا عليهم نادي ريد بول لايبزيغ.


النموذج التكتيكي المعتمد

يعتبر المدرب الشاب أحد أكثر المدربين إثارة في كرة القدم الأوروبية، وذلك بفضل مرونته التكتيكية والإهتمام القوي بالتفاصيل، وتعزيز المواهب الشابة، مع الإعتماد على التمريرات السريعة والعمودية للخروج من الضغط مع الضغط بقوة وشراسة عند الخروج من الاستحواذ، وتبديل الشكل الخططي بين ثلاثة لاعبين وأربعة في الخط الخلفي اعتمادًا على نقاط قوة وضعف الخصم، حيث تُظهر الإحصائيات أن المدرب الألماني بدأ بتشكيل مكون من ثلاثة مدافعين في شكل 3-4-2-1 بتنويعاتها المختلفة في دقائق لعب تقترب من 1652 دقيقة أي ما يقرب من 18 مباراة، أما الخط الرباعي فقد ظهر به الفريق بدقائق لعب تقترب من 1113 دقيقة أي ما يقرب من 12 مباراة، لكن.. ورغم تلك الأنظمة التكتيكية تبقى المفاهيم الأساسية للفريق ثابتة. 

المرجع الأساسي بين هذه الخطط هي فكرة التدوير والعمودية، ببساطة شديدة عند بداية الهجمة عادة ما يميل الظهير أو الجناح، إلى التحرك عالياً نسبيًا في اللحظات الأولى من مرحلة البناء، وذلك لتوفير الاتساع وإجبار الخصم على الدفاع في مساحة أوسع لتغطية هذا التهديد، وهذا بدوره يخلق المساحة للاعب لايبزيغ - عادة ما يكون المدافع - ليتحرك عموديا بالكرة، مع تحرك لاعب من وسط الملعب إلى المساحة الفارغة بين المدافع والظهير لتنتقل الكرة بصورة سلسة، وبالطبع عندما يستلم لاعب الوسط الكرة فإن أول قراراته سيكون اللعب عموديا للظهير أو الجناح، أو في حالات أخرى للمهاجم الهارب من الرقابة 

فالأصل هنا أن الكرة ستنقل عموديًا دون النظر لأي اعتبارات أخرى إلا في حالات بسيطة، وبالتالي نرى اللاعبين بانتظام يتخذون مواقع بين خطوط الخصم ويسمحون بالتمرير الرأسي في المساحات الخطرة، وهو ما يسمح للفريق بتسديد عدد لا بأس به من التسديدات على مرمى الخصم في كل مباراة، حيث أن الفريق قد حقق متوسط تسديدات ب ​​15.3 تسديدة لكل 90 دقيقة و2.63 هدفًا لكل 90 دقيقة، بالإضافة إلى إنهم يقومون أيضًا بـ 85.41 تمريرة تقدمية لكل 90 دقيقة. 


لذلك فمن الملاحظ أن قناعات المدرب تكمن في أنه لا حاجة لفرض الاستحواذ طيلة فترات المباراة، بل يكمن مفتاح الهجوم في التحول بسرعة شديدة من الدفاع للهجوم لخلق الفرص، فعلى الرغم من أن نسب استحواذ لايبزيغ هذا الموسم لا تتعدى 55% إلا أن نسب التسديد على المرمى وتسجيل الأهداف تعد نسبًا لا بأس بها كما أسلفنا، لكن المشكلة تظهر في الفارق بين نسبة الاهداف المتوقع تسجيلها xg والأهداف المسجلة بالفعل، حيث سجل الفريق هذا الموسم 55 هدفًا في الدوري من بينهم 37 هدف من لعب مفتوح، بينما كان المتوقع تسجيله هو 42.45 هدفًا، أي بفارق 5.45 هدفا، وهو حتى أكون صادقا ليس بالفارق الضخم، ولكن الأصل في المسألة أن الفرق الأولى في ترتيب الجدول عادةً ما تسجل أكثر من المتوقع تسجيله وليس أقل.


أن تكون مؤهلا للخلافة 

هل لاحظت أننا نتحدث كثيرا عن (اللعب العمودي وعدم الإحتفاظ بالكرة كثيرًا)، ضع هذه الجملة نصب عينيك، وأترك لي أن أضعك أمام الفكرة العالقة في رأسي مباشرةً. 

مع الصعود السريع للألماني في سن صغيرة، بدأت الصحافة حول العالم مقارنته بمهووس آخر وهو البرتغالي جوزيه مورينهو المدرب الذي وضعت الإقالة حدًا لتجربته رفقة نادي توتنهام الإنجليزي منذ عدة أيام، وما أكد تلك المقارنات هو ناجيلسمان نفسه، حيث صرح لعدد من الصحف أن جوزيه لعب دورًا كبيرًا في تكوين أسلوبه، وتغيير نظرته عن كرة القدم، لذلك فغالبًا ما يطلق على الألماني لقب "ميني مورينيو". 

وبالتالي فكر معي في هذه الصيغة: أمامنا نادٍ إنجليزي دربه لمدة أربع مواسم مدرب له باع في طريقة اللعب المعتمدة على الضغط السريع والقوي على مناطق الخصم لافتكاك الكرة قبل ضرب الخصم بالمرتدة، ليرحل هذا الرجل إلى فرنسا حيث نادي باريس سان جيرمان، ويخلفه مدرب آخر يعتبره جوليان الأب الروحي له، قبل أن تتم إقالته لسوء النتائج، وأمامنا مدربُ شاب طموح يبحث عن تجربة أكبر مع نادٍ لديه الأرض الخصبة للعمل عليها، من لاعبين يمكنهم تطبيق الأفكار وجمهور لديه الشغف ليرى ناديه كبيرًا مرةً أخرى.

توليفة مثالية ينقصها شئ بسيط: هل يستطيع جوليان السيطرة على غرفة خلع الملابس وإعادة الإستقرار مرة أخرى للفريق؟ 

سؤال أجاب عليه المدرب الشاب بنفسه في تصريحاته حين قال: ” 30% من كرة القدم هي تكتيكات و 70% منها هو تعاون اللاعبين على أرضية الملعب ” وهذا ما يوضح لنا أنّ المدرب الألماني يهتم جيداً بإدارة اللاعبين في الغرف المغلقة قبل إدارتهم في الملعب وأمام الكاميرات. 

أما عن الجانب الآخر فلدينا نادٍ عريق، حصل على السداسية التاريخية قبل عدة أشهر، أعلن مدربه الرحيل فجأة ليضع الإدارة والجمهور تحت ضغط يكمن في عدم إنزلاق المشروع برمته تحت الأنقاض، ليسعى في البحث عن مدربٍ لديه ما لديه من الخبرة والتجربة التي أثبت فيها نفسه بجدارة.

لو سألتني عن وجهة نظري الخاصة، فسأمنح توتنهام الإنجليزي أفضلية قصوى للتعاقد مع العبقري الألماني، لأن السبيرز يحتاجون لمن هو في شخصية ناجسلمان لفرض الهدوء والانضباط داخل الغرف المغلقة، بالإضافة إلى الإرث التكتيكي الذي لابد أن يتركه الرجل داخل جنبات ملعب "توتنهام هوتسبير"، ما سيجعلها تجربة مثيرة له كمدرب ولنا كمتابعين.

 لكن الأمور يا عزيزي لا تُأخذ على ذلك المحمل فهناك أشياء كثيرة لابد أن نضعها في الحسبان، أهمها على الإطلاق هو الجانب المادي، فنادٍ كتوتنهام لم يستطع الفكاك من قبضة مورينهو إلا بدفع شرطٍ جزائي ضخم قدره 30 مليون يورو، بالإضافة إلى أن جلب ناجيسلمان أيضًا ليس بالأمر الهين ماديًا نظرًا لإستمرار التعاقد بينه وبين ناديه وهو ما سيجعلهم يفكرون ألف مرة في الشرط الجزائي الضخم والذي لابد من دفعه لتعويض خسارة نادي لايبزيغ لمدربهم.

لذلك، وكالعادة حكمت المادة بأحكامها، ليعلن نادي بايرن ميونخ صباح يوم 27 إبريل لعام 2021 التعاقد مع المدرب الشاب بداية من الموسم المقبل بعقدٍ يمتد لمدة 5 سنوات حتى 30 يونيو 2026، ليدخل الرجل في غمار تجربةٍ جديدة وصعبة، ونمني نحن النفس بأن يذهب عاجلًا أم آجلًا إلى البلد الذي ولدت فيه كرة القدم "إنجلترا"، ليقتل بها الفكرة المنتقلة بين الحناجر والتي تؤمن بأن الألمان لا ينجحون إلا في بلادهم.


المصادر: 

إحصائيات نادي "لايبزيغ" الألماني،who scored.

https://www.whoscored.com/Teams/7614/Statistics/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A8%D8%B2%D9%8A%D8%BA


إحصائيات نادي لايبزيغ.. ، Understat.

https://understat.com/team/RasenBallsport_Leipzig/2020


Julian Nagelsmann, total football analysis 

https://totalfootballanalysis.com/article/tactical-analysis-of-julian-nagelsmann-at-rb-leipzig

محمودليالي operanews-external@opera.com