"ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين".. تعرف على القصة وراء خروج سيدنا آدم من الجنة

shimaagamalhessen

نقف كثيرًا عند قراءة القرآن عند قول الله تعالي" ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين" فى سورة البقرة، لنتساءل عن نوع الشجرة وكيف كانت السبب وراء خروج سيدنا آدم من الجنة؟!

ولأن دائمًا قصص القرآن بها عبرة وعظة، سنتطرق فى السطور التالية عن حقيقة الشجرة والقصة الكاملة لخروج سيدنا آدم من الجنة ونزوله للأرض. ليبدأ الخلق.

وقد أباح الله السكنى في الجنة لأدم وزوجته يأكلان منها حيثما شاءا، وكان ذلك من فضل الله عليهم بعدما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، وخلق زوجه منه ليسكن إليها، ويستأنس بها، ليسكنهما بعد ذلك الجنة، وأباح لهما الأكل من أي مكان، فلم يحرم عليهما بعض المواضع، ما حرم عليهما الأكل إلا من شجرة واحدة، حيث إنه لا يتعرض للحر، ولا يُصاب بالجوع، ولا بالعري، ولا بالظمأ، ليخلق حواء من ضلع من أضلاع آدم لتكون سكنًا له في دار الكرامة.

لقد أكرم الله آدم إكرامًا عظيمًا، وأعطاه هذا النعيم الكبير، وكل الذي منعه هو شجرة واحدة، وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، المتعدين المخالفين للأمر الإلهي، فكل معصية إذًا هي ظلم للنفس، وكان هذا النهي امتحانًا وابتلاء من الله ، وهذه الآية دليل على أن الأصل في النهي التحريم، وأن الله إذا نهى عن شيء فإنه محرم، وقد أكد الله النهي والمنع بأنه نهى عن قربانها، وليس عن الأكل منها فقط، وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ، والنهي عن الاقتراب من الشيء أبلغ من النهي عن الأكل منه أو الوقوع فيه، فالنهي عن الاقتراب من الشيء يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يترك كل ما يجعله قريبًا من هذا الشيء، ليكون بذلك الاختيار بالفعل هو السبب وراء العقاب.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن العقاب يوم القيامة للبشر سيكون على اختيار الفعل وليس على القدر. بمعنى ماذا فعلت عندما حدث لك هذا وأي الطريقين اخترت؟!

ثم حسد إبليس آدم على هذا النعيم الذي يُقيم فيه؟ يأكل ويشرب، لا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، كيف يتركه يسر وينعم؟ حسده وأراد أن يخرجه من هذا النعيم، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ أي: عن الجنة، أبعدهما وأذهبهما بعيدًا، وعن الطاعة ونقلهما عنها إلى المعصية.

هل أزلهما من الزلل أو أزلهما أبعدهما؟ كلاهما قريب أزلهما بالزلل والمعصية، فأبعدهما عن الجنة، "فأزالهما" كما في قراءة أوقعوهما في الزلل، فزالا عنها.

قال ابن القيم رحمه الله: "الله سبحانه مهد الأرض لآدم وذريته قبل خلقه، فقال:إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[البقرة:30]، وقضى أن يعرفه قدر المخالفة، وأقام عذره بقوله: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ وتداركه برحمة بقوله: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ[طه:122]، يا آدم لا تجزع كأس خطأ كان سبب" -أي هذا الذنب- "فقد استخرج منك داء العجب وألبسك رداء العبودية، لا تحزن بقولي لك: اهْبِطُوا مِنْهَا [البقرة: 38]، فلك خلقتها، ولكن اخرج إلى مزرعة المجاهدة، واجتهد في البذر، واسق شجرة الندم بساقية الدمع، فإذا عاد العود أخضر فعد كما كنت إلى الجنة". [بدائع الفوائد: 3/742].

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ[الأعراف:20]، يعني: من جنس الملائكة، أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: 20]، كما في الآية الأخرى: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [طه: 120] وأقسم لهما بالله وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 21]، فاغترا به وأطاعاه، حلف إنه ناصح، وغلبت الشهوة على العقل في تلك الحالة، وخدعهما باليمين، والمؤمن قد يخدع بالله، كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك، يظهرون أمام سيدهم بالصلاة الطويلة، وحسن العبادة طلبًا للعتق، فكان ابن عمر يعتقهم، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال الكلمة المشهورة: "من خدعنا بالله انخدعنا له". [صفة الصفوة: 1/290].

وهنا نستطيع أن نقول أن الشيطان دائمًا يخدعك بالنعم الغير بينة ويدخل إليك منها حتى تبتعد عنها وتظن إنك تعيش في سوء فتذهب ويكون هو من الفارحين! ولكن هناك فرق بين من يعصي بأسباب ومن يعصي بغير سبب، بين واحد يقع في المعصية بخطة ماكرة يدبرها له غيره، وبين واحد يقع في المعصية هو يدبرها لنفسه، أو يدبرها لغيره، فمن ضمن الأسباب التي أوقعت آدم في المعصية القسم والحلف الذي حلفه له إبليس.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الصواب أن آدم  لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع التأكيدات، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ اللام للتأكد لَمِنَ النَّاصِحِينَ، ظن آدم أنه لا يتجرأ أحد أن يحلف بالله كاذبًا، ولذلك صدق وأقدم على ما أمره به ودله عليه، قال: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف: 22]. [الفتاوى الكبرى: 5/33].

أنزلهما من رتبتهما العالية إلى التلوث بالمعاصي، فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ أطمعهما في شيء وهو في الحقيقة لا نفع فيه، واهبط آدم وحواء من الدرجة العالية إلى الرتبة السافلة، والشيطان يغر بني آدم كما غر الأبوين، فيصغر المعصية في عين الإنسان، فإن لم يستطع أن يقنع الإنسان بهذا مناه بالتوبة بعد المعصية، قال: إذًا أنت تعصي ثم تتوب.

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا [الأعراف: 20]، يعني: ليظهر لهما العورة المستورة، ليبدي: ليظهر هذه العورة، فكشف العورة من عظائم الأمور، ومن تزيين الشيطان، وهو قبيح في الطبع، وسميت العورة سوأة لأنه يسوء الإنسان أن تنكشف، قال: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا [الأعراف: 20].

ما أخفي وغطي، فأوقعهما في المعصية لينكشف المستور الذي يسوء الإنسان أن ينكشف، إنها العورة، إنها السوأة.

وقد روى الترمذي رحمه الله عن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك [رواه ابن ماجة: 1559]، فقال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: إن استطعت ألا يراها أحد فافعل ، قلت: والرجل يكون خاليًا، قال: فالله أحق أن يستحيا منه حديث حسن [رواه أبو داود: 4019، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1706].

فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ [البقرة: 36] من النعيم، واللباس، والمنزل الحسن الرحب، والرزق الهنيء، والراحة، وأهبطهما إلى دار التعب، والنصب، والمجاهدة.

وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة: 36]، الخطاب للجميع لآدم وحواء وإبليس، ولآدم وذريته، وهم في ظهره.

وذكر المفسرون أماكن قالوا: إن آدم وحواء هبطا فيها، ولكن لم يثبت بها دليل صحيح، الهند، جدة، عرفات، ما ثبت بها دليل صحيح، ولذلك فإنه لا يضرنا الجهل بها.

لو قال قائل: هل يترتب على معرفة المكان الذي التقى فيه آدم بحواء بعد الهبوط؟ فيقال: لا يضرنا الجهل بها، ولو كانت المعرفة تفيدنا لعرفنا بذلك ربنا .

وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [البقرة: 36]، يعني قرار، وأرزاق، وآجال إِلَى حِينٍ إلى وقت معين، وهو يوم القيامة، ما هو الفرق بين وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، وبين ولكم مستقر في الأرض، تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ يعني: فيها وليس في غيرها، لكن إذا قلنا: لكم مستقر في الأرض، ممكن يكون لكم مستقر في أماكن أخرى، أو كواكب أخرى، لكن وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، يعني: فيها فقط وليس في غيرها، وبذلك تعلم بأن كل الأبحاث التي تعملها وكالة الفضاء ناسا أو غيرها من الوكالات في العالم عن: إمكانية أن يكون البشر يعيشون في كوكب آخر؛ أنها إهدار أموال بلا فائدة، لأن النتيجة معروفة سلفًا.

وتساءل كثير عن نوع الشجرة، وقد قيل فيها أقول: هل هي النخلة، وإلا التين، أو العنب، أو الحنطة؟ لكن الخوض في هذا تكلف لا نحتاج إليه، ونحن مستغنون عنه، ولو كان فيه فائدة لعينه ربنا ، فالجهل به إذًا لا يضر، والله أعلم بتلك الشجرة وما نوعها.

قلنا: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة: 38] آدم وحواء وإبليس والذرية، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38]، هناك هبوط من الجنة إلى السماء الدنيا، ومن السماء الدنيا إلى الأرض.

فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ [البقرة: 38] وآمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، من صدق أخبار الرسل والكتب، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38]، لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123]، نفى الخوف والحزن.

وما هو الفرق بينهما؟!

إن كان على شيء مضى فهو حزن، وإن كان من شيء يأتي في المستقبل فهو خوف، فنفى الله الخوف والحزن عما اتبع هداه، وإذا انتفى الخوف فيكون الأمن، وإذا انتفى الضلال والشقاء سيكون بدلاً منهما الهدى والسعادة، إذًا الذي يتبع هدى الله يحصل له الأمن والسعادة في الدنيا والآخرة، وينتفي عنه الخوف والحزن، والضلال والشقاء.

وكان القول الكريم: 

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ۝ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 35-39].

وكذلك جاء في سورة الأعراف: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ۝ 


المصدر:

https://almunajjid.com/courses/lessons/139

shimaagamalhessen operanews-external@opera.com