هل البكاء على الميت يعذبه؟ أمين الفتوى يجيب

سميةخالد

على مدار السنوات والأيام ، انتشرت الأقاويل والشائعات، التي تقول بأن البكاء على الميت يعذبه، فعندما يتوفى أحد الأشخاص وتجد أهله يبكون عليه، تجد الجميع يقولون له "إن البكاء على الميت يعذبه وأنت بذلك تعذبه"، ولكنه يقول ذلك دون أي دليل، لمجرد أنهم سمعوا والداهم أو والداتهم تقول ذلك، ولكن هل هذا صحيح أم خطأ، أوضح لكم الحكم الشرعي لهذا الكلام :

ورد إلى الشيخ عمرو الورداني أمين الفتوى بدار الإفتاء، سؤال عبر حلقة له على فضائية" ام بي سي مصر" يقول صاحبه" هل الميت يشعر ببكاء أهله" وأجاب عليه الشيخ عمرو الورداني قائلاً إن الميت يسمع ويشعر بما حوله، مستشهداً بما ورد في الأحاديث أن كسر عظم الميت ككسر عظمه حيا، فالأمر ليس "ميت وانتهى"، مضيفاً أن الميت يشعر ويستأنس ويفرح بمن يزوره، وعندما يقول الحي "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين " فيرد الميت عليه السلام، موضحا أنه في الفترة الأخيرة انتشرت الكثير من الأقاويل بأن الميت يعذب ببكاء أهله.

وتابع قائلاً أن البكاء في حد ذاته مباح شرعاً، بل هو رحمة، ولا يعذب به الميت، ولا يعذب الميت ببكاء أهله عليه ، وأما ما يصاحبه من ندب أو نياحة أو أي مخالفة كشق الثياب مثلا فهو الممنوع، و المخالف للشرع.

وعلى نفس السياق فقد قال الدكتور محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية خلال حوار له مع موقع صدى البلد بخصوص هل البكاء على الميت عند القبر يعذبه؟ فأجاب قائلاً إنه صحت الأحاديث التي وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بشأن أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وليس هذا من عقوبة الميت بذنب غيره، موضحاً أن العلماء اتفقوا على أنه ليس المراد من هذه الأحاديث مطلق البكاء، بل المراد بالبكاء هنا النياحة ورفع الصوت.

وأضاف الدكتور محمد الشحات الجندي خلال لقاء له مع موقع صدى البلد ، أن السيدة عائشة رضي الله عنها أنكرت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه الأحاديث، لظنها أنها تتعارض مع قوله تعالى في سورة فاطر : "وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"، وذكر الدكتور محمد الشحات أن الأحاديث الواردة في عذاب الميت ببكاء أهله، منها ما روى البخاري، ومسلم عَنْ الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ"، وزاد مسلم: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وروى البخاري، ومسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ"، وقد روى مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّةُ! أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:" إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟".

وأكد أن النواح ولطم الخدود وشق الجيوب كان من شأن أهل الجاهلية، فقد كانوا يوصون أهاليهم بالبكاء، والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم كثيرًا، ونهي الإسلام عن ذلك كما في حديث الرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَيْسَ مِنّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوى الْجاهِلِيَّةِ".

وأفاد بأن الموت مصيبة لا مفر منها وهي امتحان لنا لنعمل الصالحات ونحسن أعمالنا لننال جزاءنا فيرضى الله تعالى عنا، والحزن والبكاء على فقد قريب أمر جائز، إذا كان على وجه العادة، ولم يصحب بنياحة أو تسخط، فقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على موت ابنه إبراهيم، وقال: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" راوه البخاري ومسلم.

وعن كيفية عذاب الميت ببكاء أهله، أوضح المفكر الإسلامي، أن العلماء اختلفوا في الإجابة عن هذا الحديث على ثمانية أقوال، وأقربها إلى الصواب قولان: الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو محمول على من أوصى أهله بالنوح عليه، أو لم يوصِ بتركه، مع علمه بأن الناس يفعلونه عادةً، ولهذا قال عبدالله بن المبارك: "إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيءٌ" ، والعذاب عندهم بمعنى العقاب.

وتابع: والقول الثاني: أن معنى "يُعَذَّبُ" أي يتألم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة؛ وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري، وابن القيم؛ وقالوا:" ليس المراد أن الله يعاقبه ببكاء الحي عليه، والعذاب أعم من العقاب كما في قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم" الْسَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ "، وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم.

واختتم الدكتور محمد الشحات الجندي كلامه قائلاًأن المصائب في الدنيا تكفر الذنوب، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" رواه البخاري، ومسلم.


وختاماً اسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة، وأن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

المصدر :

https://www.elbalad.news/4070226

سميةخالد operanews-external@opera.com